محمد سعيد رمضان البوطي
331
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
أمام مصدرين لا ثالث لهما ، ضمن لهم بعد الاعتصام بهما ، الأمان من كل شقاء وضلال ، هما : كتاب اللّه وسنة رسوله . وإنك لتجده يتقدم بهذا التعهد والضمان إلى جميع الأجيال المتعاقبة من بعده ، ليبيّن للناس أن صلاحية التمسك بهذين الدليلين ليس وقفا على عصر دون آخر ، وأنه لا ينبغي أن يكون لأيّ تطور حضاري أو عرف زمني أي سلطان أو تغلب عليهما . وأما البند السادس : فقد أوضح فيه صلّى اللّه عليه وسلم ما ينبغي أن يكون عليه علاقة الحاكم أو الخليفة أو الرئيس مع الرعية أو الشعب . إنها علاقة السمع والطاعة من الشعب للحاكم مهما كان نسبه وشأنه ومظهره ما دام يحكم بكتاب اللّه وسنة رسوله ، فإذا حاد عنهما فلا سمع ولا طاعة ، فلا مناط لولاء الحاكم وضرورة اتباعه إلا سيره على نهج الكتاب والسنة ، وليكن بعد ذلك إن شاء عبدا حبشيا مجدّعا ، فلا يخفضه ذلك قيد شعرة عن غيره عند اللّه تعالى . ولقد أوضح لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بهذا ، أنه لا امتياز للحاكم من وراء حدود كتاب اللّه تعالى وسنة نبيه ، ولا يمكن لحاكميته أن ترفعه قيد شعرة فوق مستوى المنهج والحكم الإسلامي ، إذ هو في الحقيقة ليس بحاكم ولا يتمتع بأي حاكمية حقيقية ، ولكنه أمين من قبل المسلمين على تنفيذ حكم اللّه تعالى . ومن هنا لم تتعرف الشريعة الإسلامية على شيء مما يسمى بالحصانة أو الامتيازات لطبقة ما بين المسلمين في شؤون الحكم أو القانون والقضاء . وفي الختام . . . يشعر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه أخرج مسؤولية الدعوة وتبليغها من عنقه ، فها هو الإسلام قد انتشر ، وها هي ضلالات الجاهلية والشرك قد تبدّدت ، وها هي أحكام الشريعة الإلهية قد بلّغت ، وها هو الوحي ينزل عليه صلّى اللّه عليه وسلم ، يقول اللّه تعالى مخاطبا البشر كلهم : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [ المائدة 5 / 3 ] . ولكنه صلّى اللّه عليه وسلم يريد أن يطمئن إلى شهادة أمته بذلك أمام اللّه تعالى يوم القيامة عندما يسألون . . فأعقب توصياته هذه لهم بأن نادى فيهم قائلا : إنكم ستسألون عني ، فما أنتم قائلون ؟ وارتفعت الأصوات من حوله تصرخ : نشهد أنك قد بلّغت ، وأديت ، ونصحت . وحينئذ اطمأن الرسول العظيم صلّى اللّه عليه وسلم ! . . . لقد كان يريد أن يستوثق من هذه الشهادة التي سيلقى بها وجه ربه عز وجل . . ولقد اطمأن الحبيب الأعظم صلّى اللّه عليه وسلم إذ ذاك ، وشعشع الرضى في عينيه ، ونظر بهما إلى الأعلى مشيرا بسبابته إلى السماء ثم إلى الناس يقول : « اللهم اشهد . . . اللهم اشهد . . . اللهم اشهد » . ويا ما أعظمها من سعادة ! ؟ . . سعادة رسول اللّه عليه الصلاة والسلام بشبابه الذي أبلاه